الثعالبي
85
لباب الآداب
عادَتْ هاماتُ الجبالِ شيباً ، ولبست من الثلجِ مُلاءً قشيباً . قد صار البَردُ حجاباً ، والثلج حِجاناً ، بَرْدٌ يزوي الوجوه ، ويُعمِّشَ العيون ، ويُسيل الأنوفَ ، ويغير الألوان ، ويقشف الأبدان ، نحن من هذا الشتاءِ الكَلِبِ بين لَثِق وَزلِقٍ ودَمِقٍ . وَصْفُ الأيام الشتويّةِ يومٌ كأنَّ الأرض شابتِ لهوله ، يومٌ عبوسٌ قمطريرٌ ، يكشف عن أنياب الزمْهرير ، ويفترش بالقوارير ، يومٌ أخذت الأرض زِمامه ، وكساه الصِّر ثيابه ، يومٌ كأن الدنيا فيه كافورة ، والأرض قارورة ، والسماء بلّورة ، يومٌ يثقل فيه الخفيف إذا هَجمَ ويخف الثقيل إذا مجر ، يوم أرضُه كالقوارير اللامعةِ وهواؤهُ كالزنابير اللاسعة . إقبالُ الليلِ وانتشارُ الظلمةِ وطلوعُ الكواكب أقبلتْ عساكرُ الليل ، خفقتْ راياتُ الظلام ، أرخى الليل سدولَه ، وسحبَ الظلامُ ذيولَهُ ، أقبلتْ وفودُ النجومِ ، تفتَّحت أزاهيرُ الكواكب ، نوّرَتْ حدائقُ الجَوِّ ، أذكى الفَلَكُ مصابيحَه ، طَغَت النجومُ في بحر الدُّجى . وَصْفُ اللّيالي المُظلمة ليلةٌ كغُراب الشباب ، وحدق الحسان ، وذوائب العذارى ، ولباس بني عباس ، ليلةٌ كأنها من الغَبَش ، في موكبٍ من الحَبَش ، ليلةٌ حالِكٌ إهابُها ، وكأن الفجر يهابُها . الليلةُ الطَّلْقة الطّيِّبة المشكورة ليلةٌ سحرٌ كلُّها ، ليلة هواها صحيح ، ونسيمُها عليل ، ليلةٌ كأنها نهار ، ليلةٌ من حسناتِ الدهر ، ليلةٌ فضيَّةُ الأديم ، مِسكيَّةُ النسيم ، ليلة باكورةُ العمر ، وبِكر الدَّهر ، ليلة